المحقق البحراني

193

الكشكول

فخرجوا من عنده واجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم وهو يومئذ قاضي الزمان على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك ، وعادوا إلى المأمون وسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع فأجابهم إلى ذلك ، فاجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه وحضر معهم يحيى بن أكثم وأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست ويجعل له فيه مستورتان ، ففعل ذلك وخرج أبو جعفر عليه السّلام وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهر فجلس بين المستورتين وجلس يحيى بن أكثم بين يديه وقام الناس في مراتبهم والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر . فقال يحيى بن أكثم للمأمون : يأذن لي أمير المؤمنين أن اسأل أبا جعفر عن مسألة ؟ فقال له المأمون : استأذنه في ذلك ، فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال : أتأذن لي جعلت فداك في مسألة ؟ فقال أبو جعفر عليه السّلام : سل إن شئت . قال يحيى : ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيدا ؟ فقال أبو جعفر عليه السّلام : قتله في حل أو في حرم عالما كان المحرم أو جاهلا قتله عمدا أو خطأ حرا كان المحرم أو عبدا صغيرا كان أو كبيرا مبتدئا بالقتل أو معيدا من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها من صغار الصيد أم من كبارها مصرا على ما فعل أو نادما في الليل كان قتله للصيد أم في النهار محرما كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج ؟ فتحير يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع ولجلج حتى عرف جماعة أهل المجلس أمره ، فقال المأمون : الحمد للّه على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي ، ثم نظر إلى أهل بيته فقال لهم : أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه ؟ ! ثم أقبل على أبي جعفر عليه السّلام فقال له : أتخطب يا أبا جعفر ؟ فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، فقال له المأمون : اخطب لنفسك وأنا مزوجك أم الفضل ابنتي وان رغم قوم لذلك ، فقال أبو جعفر عليه السّلام : الحمد للّه إقرارا بنعمته ولا إله إلا اللّه إخلاصا لوحدانيته وصلى اللّه على محمد سيد بريته والأصفياء من عترته . أما بعد ، فكان من فضل اللّه على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام فقال سبحانه وتعالى : وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ثم أن محمد بن علي بن موسى يخطب أم الفضل بنت عبد اللّه المأمون وقد بذل لها من الصداق مهر جدتها فاطمة بنت محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو خمسمائة درهم خيادا ، فهل زوجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور ؟ فقال المأمون : نعم قد زوجتك يا أبا جعفر أم الفضل ابنتي على الصداق المذكور فهل قبلت النكاح ؟ قال أبو جعفر عليه السّلام : قد رضيت وقبلت به فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم في الخاصة والعامة .